نصر حامد أبو زيد

49

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

قوله تعالى : ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ) دال على نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، لأن النبوة عبارة عن الوحي إلى الشخص على لسان الملك بتكليف خاص . وقوله تعالى : ( يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ، قُمْ فَأَنْذِرْ ) دليل على رسالته صلّى اللّه عليه وسلم لأنها عبارة عن الوحي إلى الشخص على لسان الملك بتكليف عام « 1 » . ه - ان مفهوم « الانسلاخ عن البشرية » والتحول إلى الملكية في حالة الوحي الأولى ليس مقصودا معناه الحرفي بالتحول الفيزيقي كما يفهم من منطوقه ، فالتغير الذي كان يلاحظ على النبي تغير طارئ طفيف وليس تحولا بالمعنى الذي تنبئ عنه لفظة « الانسلاخ » أو « الانخلاع » . ولعل هذا هو الذي مهد السبيل أمام الفلاسفة والمتصوفة لمناقشة مفهوم « النبوة » من خلال نظرية « الخيال » . إن تفسير النبوة اعتمادا على مفهوم « الخيال » معناه أن ذلك الانتقال من عالم البشر إلى عالم الملائكة انتقال يتم من خلال فاعلية « المخيلة » الانسانية التي تكون في « الأنبياء » - بحكم الاصطفاء والفطرة - أقوى منها عند من سواهم من البشر . وإذا كانت فاعلية « الخيال » عند البشر العاديين لا تتبدى إلا في حالة النوم وسكون الحواس عن الانشغال بنقل الانطباعات من العالم الخارجي إلى الداخل ، فإن « الأنبياء » و « الشعراء » و « العارفين » قادرون دون غيرهم على استخدام فاعلية « المخيلة » في اليقظة والنوم على السواء . وليس معنى ذلك - بأي معنى من المعاني - التسوية بين هذه المستويات من حيث قدرة « المخيلة » وفاعليتها ، فالنبي يأتي دون شك على قمة الترتيب ، يليه الصوفي العارف ، ثم يأتي الشاعر في نهاية الترتيب . إن النفس الانسانية بصفة عامة جزء من العالم الروحاني في التصور العام للوجود عند العلماء ، وعلى ذلك فان كل البشر قادرون على الالمام بلمحة من هذا العالم من خلال تجربة « الرؤيا » . ولكن حين يكون هؤلاء البشر العاديون تحت سطوة « العالم الحسي » لا يستطيعون مقاربة هذا العالم الخصب الثري . إن « الأحلام » تمثل مجال فاعلية « المخيلة » عند البشر جميعا ، لكن « دلالة » ما يراه النائم قد تكون واضحة وقد تكون غامضة ، لكنها في كل الأحوال لها دلالتها على بعض حقائق العالم الروحي الذي تنتمي اليه النفس الانسانية . وأما الرؤيا فحقيقتها مطالعة النفس الناطقة في ذاتها الروحانية لمحة من صور الواقعات ، فإنها عندما تكون روحانية تكون صورة الواقعات فيها موجودة بالفعل كما هو شأن الذوات الروحانية كلها ، وتصير روحانية بأن تتجرد عن المواد الجسمانية والموارد البدنية . وقد يقع لها ذلك لمحة بسبب النوم كما نذكر فتقتبس بها علم ما تتشوّف اليه من الأمور المستقبلة ،

--> ( 1 ) الزركشي : الاتقان في علوم القرآن ، الجزء الأول ص 208 .